العيني

100

عمدة القاري

لبعيد الشقة ، أي : بعيد السفر ، قوله : ( ندخل به الجنة ) ، وقع هنا بغير الواو ، وهناك بالواو ، ويجوز فيه الرفع والجزم ، أما الرفع فعلى أنه حال أو استئناف أو بدل أو صفة بعد صفة . وأما الجزم فعلى أنه جواب الأمر . فإن قلت : الدخول ليس هيئة لهم فكيف يكون حالاً ؟ قلت : حال مقدرة : والتقدير : نخبر مقدرين دخول الجنة ، وفي بعض النسخ : نخبر ، بالجزم أيضاً ، وعلى هذه الرواية : تدخل ، بدل منه ، أو هو جواب للأمر بعد جواب . قوله : ( وتعطوا ) كذا وقع بدون النون ، لأنه منصوب بتقدير : أن ، لأن المعطوف عليه اسم ، وروى أحمد عن غندر ، فقال : ( وأن تعطوا ) ، فكأن الحذف من شيخ البخاري . قوله : ( قال شعبة ) وربما قال : أي أبو جمرة النقير ، بفتح النون وكسر القاف : وهو الجذع المنقور . قوله : ( وربما قال . المقير ) أي : وربما قال أبو جمرة . المقير . قال الكرماني : فإن قلت : فإذا قال المقير يلزم التكرار ، لأنه هو المزفت . قلت : حيث قالوا : المزفت هو المقير تجوزوا ، إذ الزفت هو شيء يشبه القار . انتهى . قلت : تحرير هذا الموضع أنه ليس المراد أنه كان يتردد في هاتين اللفظتين ليثبت إحداهما دون الأخرى لأنه على هذا التقدير يلزم التكرار المذكور ، بل المراد أنه كان جازماً بذكر الألفاظ الثلاثة الأول ، شاكاً في الرابع ، وهو : النقير ، فكان تارة يذكره وتارة لا يذكره ، وكان أيضاً شاكاً في التلفظ بالثالث : أعني : المزفت ، فكان تارة يقول : المزفت ، وتارة يقول : المقير ، والدليل عليه أنه جزم بالنقير في الباب السابق ، ولم يتردد إلاَّ في المزفت والمقير فقط . قوله : ( وأخبروا ) بفتح الهمزة بدون الضمير في آخره في رواية الكشميهني ، وعند غيره : ( وأخبروه ) بالضمير . وقال ابن بطال : وفيه أن من علم علماً أنه يلزمه تبليغه لمن لا يعلمه ، وهو اليوم من فروض الكفاية لظهور الإسلام وانتشاره ، وأما في أول الإسلام فإنه كان فرضاً معيناً أن يبلغه حتى يكمل الإسلام ويبلغ مشارق الأرض ومغاربها ، وفيه أنه يلزم تعليم أهل الفرائض لعموم لفظ : ( من وراءكم ) ، والله سبحانه وتعالى أعلم . 26 ( ( باب الرِّحْلةِ في المَسْألَةِ النَّازِلِةِ وتَعْلِيمِ أهْلِهِ ) ) أي : هذا باب في بيان الرحلة ، وهو بكسر الراء : الارتحال ، من : رحل يرحل إذا مضى في سفر ، ورحلت البعير أرحله رحلاً : إذا شددت عليه الرحل ، وهو للبعير أصغر من القتب ، وهو من مراكب الرجال دون النساء . وقال بعضهم : الرحلة ، بالكسر ، من الارتحال . قلت : المصدر لا يشتق من المصدر وقال ابن قرقول : الرحلة ، بكسر الراء ، ضبطناه عن شيوخنا ، ومعناه : الارتحال . وحكى أبو عبيدة ضمها قلت : الرحلة بالضم ، الوجه الذي تريده . قال : أبو عمرو : يقال أنتم رحلتي أي : الذي ارتحل إليهم . وقال الأموي : الرحلة ، بالضم : جودة الشيء . وفي ( العباب ) : بعير مرحل ، بكسر الميم ، و : ذو رحلة إذا كان قوياً على السير ، قاله الفراء . قوله : ( وتعليم أهله ) ، بالجر عطف على الرحلة ، وهذا اللفظ في رواية كريمة ، وليس في رواية غيرها ، والصواب حذفه لأنه يأتي في باب آخر . فإن قلت : قد تقدم : باب الخروج في طلب العلم ، وهذا الباب أيضاً بهذا المعنى ، فيكون تكراراً . قلت : ليس بتكرار بل بينهما فرق ، لأن هذا لطلب العلم في مسألة خاصة وقعت للشخص ونزلت به ، وذاك ليس كذلك . فإن قلت : ما وجه المناسبة بين البابين ؟ قلت : من حيث إن المذكور في الباب الأول التحريض على العلم ، والمحرض من شدة تحرضه قد يرحل إلى المواضع لطلب العلم ، ولا سيما لنازلة تنزل به . 88 حدّثنا مُحمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أبو الحَسَنِ قال : أخْبرنا عَبْدُ اللَّهِ قالَ : أخْبرنا عُمَرُ بنُ سَعِيدِ بن أبي حُسَيْنٍ قال : حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بنُ أبي مُلَيْكَةَ عنْ عُقْبَةَ بنِ الحارِثِ أنَّهُ تَزَوَّجَ ابنَةً لأبي إِهابِ بنِ عَزِيزِ ، فَأتَتْهُ امْرَأةٌ فَقالَتْ : إِنِّي قَدْ أَرضَعْتُ عُقْبَةَ والَّتِي تَزَوَّجَ ، فقالَ لَهَا عُقْبَةُ : ما أعْلَمُ أنَّكِ أرْضَعْتِنِي وَلا أخْبَرْتِنِي ، فَرَكِبَ إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمَدِينَة فَسَأَلَهُ ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ( كَيْفَ وقَدْ قِيلَ ) . فَفارَقَها عُقْبَةُ ونَكَحَتْ زَوْجاً غَيَرَهُ . . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة في قوله : ( فركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، وليس فيه ما يطابق قوله : ( وتعليم أهله )